فوزي آل سيف

36

النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي

وقد استفاد المهاجر من كون اغتياله بعد خروجه من المسجد بين المغرب والعشاء أنه ليس مغاليًا لأن الغلاة يؤولون العبادات بأسماء أشخاص، وإنما كان بحسب التعابير الواردة عنه في الروايات كان " يكذب"، و"اختان الأموال". وأنه ما من دليل يدل على أنه كان من الغلاة بل هناك دلائل معاكسة ونافية لذلك.[114] ولنا أن نلاحظ على ما أفاده المحقق المهاجر وهو البارع في استنطاق النصوص ما يلي: أولا: ما تم الحديث عنه بشكل عام في منهج القراءة الحركية من أن هذه القراءة مسكونة بفكرة معينة وأنها تسوق النصوص إليها، طواعية أو قسرًا. ونجد مثاله هنا، فحتى لو قبلنا كلامه في القرائن التي ساقها إلا أن ذلك غاية ما ينفعه هو أن يثبت أنه ليس من الغلاة كما رأى، ولكنه لا يثبت أنه كان يريد أن يفشي أسرار التنظيم وأنه جاء من بلده إلى سامراء لهذا الغرض! وثانيا: إننا نجد أن نفس العبارات التي صدرت من الأئمة بحق الغلاة صدرت بحقه، بل والسياق نفس السياق: فمن ذلك ما روي عن أبي محمد الرازي "ورد علينا رسول من قبل الرجل: أما القزويني فارس فإنه فاسق منحرف ويتكلم بكلام خبيث فلعنه الله"[115]بناء على ظهور كلمة الرجل في الإمام الهادي عليه السلام، ومع وصفه بالفسق فلا ينفع التمسك بكونه خرج من المسجد بين صلاتي العشائين، للاستفادة من ذلك أن الغلاة لا يقيمون العبادات! هذا فاسق بنص الإمام عليه السلام، ومعنى ذلك أن صلاته ليست إلا "مراء وتصدية". ومن ذلك: ما كتب عروة إلى أبي الحسن عليه السلام في أمر فارس بن حاتم، فكتب: "كذبوه واهتكوه، أبعده الله وأخزاه، فهو كاذب في جميع ما يدعى ويصف"[116] ولا يعتقد أنه كان يدعي ويصف الأسرار الداخلية للتنظيم وإنما وصفه وكذبه هو ما كان عليه من الغلو وادعاء ألوهية الأئمة وأن فارسا وأمثاله أنبياء أو أبواب! كما سيأتي. ومنه أيضا ما "خرج من أبي الحسن عليه السلام: هذا فارس لعنه الله يعمل من قبلي فتانًا داعيًا إلى البدعة، ودمُه هدرٌ لكل من قتله" فهو فتان يدعو إلى البدعة وليس أمره أمر شبهة وإنما هو فتّان يفتن الناس عن دينهم ويدعوهم إلى البدعة، ولهذا يكون هدر دمه على القاعدة وتبريره واضح! وقد قرنه الإمام بالحسن بن بابا القمي الذي لا خلاف في كونه من الغلاة، فلعنهما وضاعف ذلك على فارس مما يشير إلى أنهما في سلك واحد، فعن سهل بن محمد، أنه أرسل للإمام عليه السلام رسالة جاء فيها: " وقد اشتبه يا سيدي على جماعة من مواليك أمر الحسن بن محمد بن بابا، فما الذي تأمرنا يا سيدي في أمره نتولاه أم نتبرأ منه أم نمسك عنه فقد كثر القول فيه؟ فكتب بخطه وقرأته: ملعون هو وفارس تبرأوا منهما لعنهما الله وضاعف ذلك على فارس".[117] وفي رواية رابعة أشار الإمام فيها إلى تمويه فارس القزويني على الناس بقوله ـ كما باقي الغلاة ـ إن الذي يظهره الإمام للناس عامةً شيءٌ، وما يعلمه (الغلاة) من بواطن هو شيءٌ آخر! فيرد الإمام ذلك بأن باطن ما يخبر عنه وظاهره شيء واحد، وأنه لا يمكن أن يقبل اعتقاد الناس الخطأ في شأن الله عز وجل، فيما رواه عبد الله بن جعفر الحميري، قال:" كتب أبو الحسن العسكري عليه السلام إلى علي بن عمر القزويني بخطه: اعتقدْ فيما تدين الله به، إن الباطن عندي حسب ما أظهرت لك فيمن استنبأتَ عنه، وهو فارس لعنه الله، فإنه ليس يسعك إلا الاجتهاد في لعنه وقصده ومعاداته والمبالغة في ذلك بأكثر ما تجد السبيل إليه، ما كنت آمر أن يدان الله بأمر غير صحيح، فجد وشد في لعنه وهتكه وقطع أسبابه وسُدّ أصحابنا عنه، وإبطال أمره، وأبلغهم ذلك مني واحكه لهم عني".

--> 114 ) المهاجر 110ـ 111 115 ) الطوسي؛ الشيخ محمد بن الحسن: اختيار معرفة الرجال ( رجال الكشي )٢/٣٩٣ 116 ) المصدر السابق ٣٩٠ 117 ) نفس المصدر ٣٩٤